أمام هذه الحالة، ترى المستشرقة البريطانية الباحثة المتخصصة في دراسة الأديان كارين أرمسترونغ أن محمدا (
هذه الفكرة تنتصر لها كارين أرمسترونغ من خلال معالجة قضايا: الدعوة المكية، والجاهلية، والهجرة، والجهاد، والسلام.وتنبع أهمية الحديث عن هذا الكتاب من أهمية كتابات كارين أرمسترونج التي تعرف رواجا لافتا بالغرب (وبخاصة بريطانيا وأمريكا)، كما أن موقفها من النبي
وجدير بالذكر أن الباحثة المتخصصة في مقارنة الأديان كتبت كتابين عن نبينا محمد r:
- الأول: Muhammad a Biography of the Prophetسنة1991، وكان قد صدر للمرة الأولى ببريطانيا 1991 بعنوان:Muhammad a Western Attempt to Understand Islam. ترجمه إلى العربية كل من فاطمة ونصر ومحمد عناني بعنوان: "محمد سيرة النبي (
وقصة تأليف هذا الكتاب ترجع إلى قضية سلمان رشدي وكتابه "آيات شيطانية" الذي اعتبره المسلمون إساءة إلى رسول الله
- والثاني: Muhammad Prophet for Our Time سنة 2006، وقد ترجمته إلى العربية فاتن الزلباني بعنوان: "محمد (
وتوضح كارين بأن هذا الكتاب الذي جاء بعد مرور خمسة عشرة سنة على الكتاب الأول جديد ومختلف كلية؛ ذلك أن كتابها الأول لم يعد يفي بالغرض بعد هجمات 11 سبتمبر، حيث دعت الحاجة، في نظرها، إلى التركيز على جوانب أخرى من حياة محمد (
وأشير بأن الباحثة كارين أرمسترونج (ولدت عام 1945) واحدة من أشهر الباحثين اليوم في الأديان ومقارنتها. وقد كتبت في ذلك مجموعة كبيرة من الكتب تدرس فيها العقائد والأديان الرئيسة (اليهودية، المسيحية، الإسلام)، وتبحث عما هو مشترك بينها، كما تبحث فيها عما يؤثر منها في تاريخ العالم ويوجه أحداثه.
وتروي كارين أرمسترونج قصة بدء الوحي باختصار شديد، ثم تعلق قائلة: "لقد شاهد هذه الرؤيا vision في شهر رمضان 610 ميلادية تقريبا. وقد سماها محمد ليلة القدر..."[5]
وهنا أتوقف لأقول:
أ- لا يبدو في نية الباحثة تشويه الحقائق أو تزييف الوقائع، وإنما هذا خلط وقع لها بسبب خلل منهجي.
ب- إن القول بكون واقعة بدء الوحي رؤيا نجده عند معظم المشرقين وكثير من أبناء المسلمين، وسببه الاعتماد على رواية لابن إسحاق جاء فيها: "قال رسول الله
ما يفهم من هذه الرواية أن واقعة بدء الوحي كانت رؤيا رآها النبي
والصحيح هو ما استقر في أذهان المسلمين أن جبريل
جـ- ليس النبي محمد
وتعود الباحثة من حين لآخر إلى القرآن الكريم، تؤيد به حجتها وتستند إليه في كثير من القضايا التي تريد الانتصار لها. وأشير إلى أن الباحثة تعتقد أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى، على عكس معظم المستشرقين، فتقول مثلا: "القرآن هو كلمة الله المقدسة"[9]. لكن رغم هذا، فإن الباحثة تخلط أحيانا بين القرآن الكريم، وهو كلام الله تعالى، وبين كلام النبي
ويعتبر مفهوم النبوة من المفاهيم المستعصية على الفهم عند كارين أرمسترونج، وعند الغربيين عموما. وقد سبقت الإشارة في البحث إلى هذه النقطة عند اعتبارها النبي
إن مثل هذه الاعتبارات تجعل من النبي رجلا معزولا عن السماء، يعتمد في حركته على جهده العقلي والفكري البشري. وهذا الفهم يسلب النبوة والنبي كل معنى وروح.
إن النبوة اصطفاء إلهي، وعناية ربانية. والنبي محمد، أو غيره، صلوات الله على الجميع، لا دخل له فيما يُبلغ، ولا حق له في التصرف أو الزيادة أو النقصان، إلا ما كان من أمور دنيوية محدودة جدا لا تأثير لها في حياة الناس. وإلا فما وظيفة الوحي ؟ بل ما وظيفة النبوة أصلا ؟
ويمكن إجمال وظيفة مقام النبوة في:
- تبليغ الناس تعاليم ربهم كما هي.
- بيان ما احتاج من ذلك إلى بيان، وعلى رأس ذلك بيان عواقب الأفعال، حسنها وسيئها.
- الفصل بين الناس فيما يحدث بينهم من نزاعات وخصومات، مذكرا بمصير المعتدي.
- إجابة الناس عن أسئلتهم التي تظهر لهم من خلال ممارستهم للعبادات أو معاملاتهم مع غيرهم، مسلمين أو كفار.
- ومع هذا وذاك، كانت الوظيفة الأساسية لمقام النبوة الشريف دوام تذكير الناس بمصيرهم، وكيف أن آخرتهم هي حصاد أعمالهم الدنيوية ليس فقط العبادية، بل كل تصرف يتصرفه المؤمن إنما هو مما يتبنى عليه آخرته.
وكل هذا بتسديد الوحي من عند الله
[1] - Karen Armstrong, Muhammad Prophet for Our Time (HarperPerennial, London 2007),18.
[2]- صدرت هذه الترجمة عن دار سطور الجديدة سنة 1998.
[3]- صدرت هذه الترجمة عن دار الحصاد، دمشق سنة 2002.
[4]- صدرت هذه الترجمة عن دار الشروق الدولية سنة 2008.
[5] - Karen Armstrong, Muhammad Prophet for Our Time, 22.
[6]- محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني، السيرة النبوية، تحقيق أحمد فريد المدني المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1424-2004، 1/168.
[7]- محمد عابد الجابري، مدخل إلى القرآن الكريم، الجزء الأول: في التعريف بالقرآن، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ط1، 2006، ص 78.
[8]- البخاري، صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله،رقم 3.
[9] - Karen Armstrong, Muhammad Prophet for Our Time, 16.